ابن كثير
265
البداية والنهاية
وأمانته . وقد ذكرت له أحوال ومكاشفات وكرامات كثيرة رحمه الله ، وزعم بعضهم أنه قطب منذ ثنتي عشرة سنة فالله أعلم . وذكر الشيخ الفقيه قال : عزمت مرة على الرحلة إلى حران ، وكان قد بلغني أن رجلا بها يعلم علم الفرائض جيدا ، فلما كانت الليلة التي أريد أن أسافر في صبيحتها جاءتني رسالة الشيخ عبد الله اليونيني يعزم علي إلى القدس الشريف ، وكأني كرهت ذلك وفتحت المصحف فطلع قوله ( اتبعوا من لا يسألكم أجرا وهم مهتدون ) [ يس : 21 ] فخرجت معه إلى القدس فوجدت ذلك الرجل الحراني بالقدس الشريف ، فأخذت عنه علم الفرائض حتى خيل لي أني صرت أبرع فيه منه . وقال الشيخ أبو شامة : كان الشيخ الفقيه رجلا ضخما ، وحصل له قبول من الامراء وغيرهم ، وكان يلبس قبعا صوفه إلى خارج كما كان شيخه الشيخ عبد الله اليونيني ، قال : وقد صنف شيئا في المعراج فرددت عليه في كتاب سميته الواضح الجلي في الرد على الحنبلي ، وذكر ولده قطب الدين أنه مات في التاسع عشر من رمضان من هذه السنة عن ثمان وثمانين سنة رحمه الله تعالى . محمد بن خليل بن عبد الوهاب بن بدر أبو عبد الله البيطار الأكال ، أصله من جبل بني هلال ، وولد ( 1 ) بقصر حجاج ، وكان مقيما بالشاغور وكان فيه صلاح ودين وإيثار للفقراء والمحاويج والمحابيس ، وكانت له حال غريبة لا يأكل لاحد شيئا إلا بأجرة ، وكان أهل البلد يترامون عليه ليأكل لهم الأشياء المفتخرة الطيبة فيمتنع إلا بأجرة جيدة ، وكلما امتنع من ذلك حلي عند الناس وأحبوه ومالوا إليه ويأتونه بأشياء كثيرة من الحلاوات والشواء وغير ذلك فيرد عليهم عوض ذلك أجرة جيدة مع ذلك ، وهذا غريب جدا ، رحمه الله تعالى ورضي عنه بمنه وكرمه آمين . ثم دخلت سنة تسع وخمسين وستمائة استهلت بيوم الاثنين لأيام خلون من كانون الأول ، وليس للمسلمين خليفة وصاحب مكة أبو نمي بن أبي سعيد بن علي بن قتادة الحسني ، وعمه إدريس بن علي شريكه ، وصاحب المدينة الأمير عز الدين جماز بن شيحه الحسيني ، وصاحب مصر والشام السلطان الملك الظاهر بيبرس البندقداري ، وشريكه في دمشق وبعلبك والصبيبة وبانياس الأمير علم الدين سنجر الملقب بالملك المجاهد ، وشريكه في حلب الأمير حسام الدين لاشين ( 2 ) الجو كنداري ( 3 ) العزيزي ، والكرك
--> ( 1 ) كان مولده سنة 600 ه وتوفي في شهر رمضان سنة 658 ( انظر الوافي 3 / 50 ) . ( 2 ) في الروض الزاهر ص 96 : علاء الدين ابن صاحب الموصل وسماه : الملك السعيد - وقد تقدم - وبعد أن أساء السيرة قبض عليه أهل حلب وقدموا عليهم حسام الدين المذكور فكتب السلطان له تقليدا بالمملكة الحلبية . ( 3 ) الجوكندار : مركب من كلمتين : إحداهما جوكان وهو المحجن أو الصولجان الذي تضرب به الكرة . والجو كاندار هو الذي يحمل الجوكان مع السلطان في لعب الكرة . صبح الأعشى 5 / 458 .